عفيف الدين التلمساني

27

شرح مواقف النفري

فمنهم من قال : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله ، ومنهم من قال : « معه » ومنهم من قال : « بعده » ، ومنهم من قال : « ما رأيت شيئا غيره » ، وفي ذلك ما ذكر عن قول بعضهم حججت « فرأيت البيت ولم أر رب البيت » وهو إذ ذاك محجوب قال : « وحججت فرأيت البيت ورب البيت » ، وذلك شهود القيومية التي بها قام كل شيء فشهد البيت قائما برب البيت قال : « وحججت فرأيت رب البيت ولم أر البيت » وهذا مقام الوقفة ، والذي يخص القرب من هذه الثلاث : الحج الأوسط ، وهو شهود القيومية ، فتقدير قوله : « آثار نظري » أي آثار نظرك إليّ بالإضافة إلى المفعول . قوله : ( وقال لي : القرب الذي تعرفه في القرب الذي أعرفه كمعرفتك في معرفتي ) . قلت : معناه أن القرب الذي يعرفه الشاهد هو قرب محصور في مرتبة أو مراتب ، وأما القرب الذي يعرفه الحق تعالى فهو مطلق عن الحصر ، وذلك أن المعرفة الحاصلة من المقيد بالصورة هي أيضا مقيدة بصورة ، وليس لمعرفة من لا صورة له قيد بصورة ، فكأنه بين تقييده بالصورة . وأما شرح العبارة نفسها والتنزل نفسه فهو أن يقول إن الحق تعالى يعرف القرب من الطور الذي عرفه عبده ، ويعرفه من طور محيط ، وكذلك معرفة الشاهد من معرفة ربه تعالى هي معرفة تحيط بها معرفة ربه تعالى ، وإذا صرح بهذا المعنى أكثر كان معناه أغمض فلنحرز ونقل معرفة الشاهد للقرب أن يرى نفسه عين من تقرب إليه وهذا بعينه هو معرفة ربه تعالى ، أن يرى المتعرّف إليه ليس غيره في حضرة « كنت سمعه وبصره » ويكون حال شهود العبد للقرب هو بعينه حال من أحوال المحيط به لا بمغايرة ، وهذا معنى عزيز والعبارة تبعده ؛ لاشتمالها في الإخبار عنه على غلط لا يمكن الاحتراز عنه . قوله : ( وقال لي : لا بعدي عرفت ولا قربي عرفت ولا وصفي كما وصفي عرفت ) . قلت : معناه أنه يبين له أنه لم يصل بعد إلى مقام « كان اللّه ولا شيء معه وهو الآن على ما كان عليه » . « 1 » وهذا العرفان لا يعرفه غيره تعالى ، وصاحب هذا

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2011 ) [ 2 / 171 ] .